واحة التفكير

أرجوك.. أعطني هذا العلم !~

الثلاثاء 18 ربيع الأول 1437 هـ الموافق 29 ديسمبر 2015 م

أرجـــوك .. أعطني هذا العِلم ..!~

أ. لمى الغلاييني

 

حادثة صغيرة وقعت له مع ابنته ذات السنوات الخمس، شكلت لديه تغييرا جذريا في نظرته للتربية وللتعامل مع الآخرين صغارا وكبارا، كما دفعته للوعي بذاته وإمكانياته.

 

يذكر أنه كان يوما يقوم بالعناية بحديقة منزله بصحبة ابنته، ودأب كعادته على توجيه تصرفاتها بالطرق المعهودة من الزجر واللوم، فأخبرته ببراءة حكيمة أنها عالجت مشكلة سلوكية تخصها بحوار ذاتي إيجابي مع ذاتها، وأنه ليس بحاجة لأن يكون لوّاماً متعكر المزاج لتوصيل فكرته، وقد دفعته ملاحظتها للتحول في ممارساته العلاجية من الردع والتأديب إلى النظر في إمكانات الروح وتنمية الإيجابيات وأوجه القوة سبل الاقتدار الشخصي.

إنه مارتن سليغمان Martin Seligman رائد علم النفس الإيجابي، الذي يقدم رغم حداثة انطلاقه نسبيا منظورا جديدا في النظرة إلى قضايا الإنسان النفسية والوجودية، ويركز على دراسة أوجه النماء والاقتدار التي تمكن الأفراد والجماعات من تحقيق الاقتدار وإطلاق الطاقات لنماء الحياة الطيبة.

لقد وضع سليغمان هدفا رئيسيا لعلم النفس الايجابي positive psychology يتمثل في التحول من الانشغال الكبير بإصلاح الأمراض إلى بناء أفضل الصفات وتنمية الفضائل ​​وصولا إلى حالة الازدهار الإنساني؛ من أجل استعادة التوازن ما بين علاج الاضطرابات وبين بناء الإمكانات والايجابيات، بعد أن أمضى علم النفس المرضي أكثر من نصف قرن مأخوذا في التركيز على موضوع وحيد هو المرض العقلي.

حين تقابل أغلب الناس فإن أول ما يبرز في الحوار الشكاوى من السلبيات والأزمات مع ما يصاحبها من الإحساس بالمرارة والإحباط، فإذا ما امتلكت مهارة إعادة توجيه الحوار نحو أوجه القوة الذاتية والإيجابيات الخفية والشجاعة رغم الصعاب فسرعان ما تنفرج أسارير محدثك وتعود إليه الروح وتسري الحيوية مجددا في تعابيره.

وهذا ما يُؤكد أهمية نشر منظور علم النفس الإيجابي في عالمنا، لأنه يسعى بضرورة الانتقال من هيمنة المرجعية المرضية تشخيصا وعلاجا، إلى تشخيص أوجه القوة الداخلية والايجابيات والفرص، وصولا إلى بناء الشخصية القادرة على تجاوز أزماتها.

إن علماء النفس اليوم مطالبون -وفق أهداف علم النفس الإيجابي- بأن يغيروا اتجاهاتهم لدراسة السلوك الإنساني فيركزوا على تقديم معلومات وآليات حول تعزيز الفضائل والقدرات وكيف يجعل الناس حياتهم طيبة ممتعة وقوية ناجحة، أكثر مما يقدمون من تعريفات للاضطرابات النفسية والمشاعر السيئة وكيفية علاجها.

ليس المقصود بذلك الهروب من المعوقات والجلوس في البرج العاجي، بل إفساح المجال أمام قوى النماء والبناء وإيجابيات الحياة كي تلعب دورها، وإذا أراد المرء أن يتجاوز الحالة الوجودية الرمادية فلا بد من التنقيب عن إمكانات النماء والعطاء وصولا إلى الازدهار الإنساني.

لقد أحرز علم النفس العلاجي تقدما كاسحا، فوفقا للأبحاث المتلاحقة والإنجازات العلمية فلقد أصبح علاج العديد من الأمراض العقلية الخطيرة ممكنا بصورة فعالة بواسطة العقاقير وأنماط خاصة من العلاج النفسي، لكن هذا التقدم كان له ثمن باهظ، فيبدو أن تخفيف الأمراض التي تجعل الحياة تعيسة قد جعل صنع الأحوال الخاصة بالحياة الطيبة أقل أهمية.

معظمنا يريدون حلولا ورؤى تتجاوز مجرد علاج ضعفهم، فهم يحتاجون حياة يصبغها المعنى وليس فقط أن يتململوا بصحة جيدة حتى يتوفوا، فعندما يجافي النوم عينيك ليلا، فأنت على الأرجح تفكر في كيفية الانتقال لدرجة أعلى في حياتك، وليس فقط في أن تتحرك من منطقة سيئة لأخرى أقل سوءا.. وإذا كان علم النفس العيادي مشغولا بمرضاه الذهانيين والعصابيين، فلنتح المجال لعلم يسعى لفهم المشاعر الإيجابية وبناء الفضيلة الأخلاقية وتقديم الإرشاد لسبل الحياة الطيبة.